available languages: englishFrançais April 6, 2021

في ديسمبر 2019، نشرت المنظمة الدولية للتقرير عن الديمقراطية (مكتب تونس) تقريرها بعنوان “آثار غياب المحكمة الدستورية خلال الدورة التشريعية 2014-2019″ [التقرير بالفرنسية] [التقرير بالعربية] الذي حلل الآثار السلبية الناتجة عن التأخير في إرساء المحكمة، وقد انعكس ذلك لا فقط على تناسق المنظومة القانونية بل أيضا على سير النظام السياسي التونسي. على ضوء الممارسة، اشارت المنظمة الدولية للتقرير عن الديمقراطية الى المزالق والمطبات المحتملة ولفتت الى أخطار الأزمات السياسية والمؤسساتية التي لا يمكن تجاوزها قانونًا في غياب القاضي الدستوري. ولعل الأزمة السياسية والمؤسساتية الراهنة في تونس خير دليل على ذلك. 

أعاد رئيس الحكومة هيكلة حكومته وتعديلها جزئياً بتاريخ 16 جانفي 2021. ولم يكن التعديل الوزاري يخص حقيبتي الدفاع والشؤون الخارجية، حيث يشترط الدستور التشاور مع رئيس الجمهورية حول التسميات الخاصة بهاتين الحقيبتين. بعد ذلك، نال الوزراء الجدد الذين اقترحهم رئيس الحكومة ثقة مجلس نواب الشعب بتاريخ 26 جانفي 2021. 

نشأ خلاف سياسي بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بسبب التعديل الوزاري. وتبلور هذا الخلاف في رفض رئيس الدولة استدعاء الوزراء الجدد لأداء اليمين وامتناعه عن توقيع الأوامر الخاصة بتعيينهم. وتأسس موقف رئيس الدولة خصوصا على الأسباب التالية: 

–  لا يلزم الدستور رئيس الدولة بتوقيع الأوامر الرئاسية الخاصة بتعيين وزراء جدد على اثر ادخال تحوير او تعديل وزاري. هذا الالتزام ليس لينطبق عليه إلا إزاء حكومة يتم تشكيلها بعد الانتخابات التشريعية وفقًا للفصل 89 من الدستور؛ 

– ما كان لرئيس الحكومة أن يحترم نص الفصل 92 من الدستور الذي يتطلب ، قبل قرار إعادة هيكلة الحكومة ، التداول مسبقا في مجلس الوزراء ؛ 

– لا يشترط الدستور صراحة نيل ثقة مجلس نواب الشعب في حالة التعديل الوزاري ولكن فقط إثر تشكيل الحكومة الأولى المنبثقة عن الانتخابات التشريعية. هذا الشرط منصوص عليه في أحد أحكام النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب وهو الفصل 144غير ان الأنظمة الداخلية للمجالس لا ترقى الى النصوص التشريعية ولا يمكن أن تتعارض مع الدستور. 

– كما برر رئيس الدولة موقفه بشبهات فساد وتضارب مصالح تحوم حول أشخاص بعض الوزراء المقترحين ضمن التعديل، مذكرا في هذا السياق بأحكام الفصل 10 من الدستور الذي يلزم الدولة بمكافحة الفساد. 

من جهته، لجأ رئيس الحكومة الى الحجة القائلة بأن استدعاء الوزراء لأداء اليمين وتوقيع أوامر تعيينهم يمثل شكلية جوهرية يفرضها الفصل 89 من الدستور. وفي هذا الإطار، ليس لرئيس الدولة سلطة تقديرية، بل له “اختصاص مقيد” لا يجيز له الوقوف امام استكمال هذه الإجراءات، وتمسك رئيس الدولة بموقفهوتماما فعل رئيس الحكومة الذي حافظ على التشكيلة الوزارية الجديدة. وأدى ذلك إلى تفاقم الأزمة السياسية والمؤسساتية. 

إن غياب المحكمة الدستورية يجعل حل هذه الأزمة امرا مستعصيا قانونيا ورهين توافق سياسي صعب التحقيق. 

في الواقع، كان بإمكان المحكمة، بناء على اختصاصاتها، أن تلعب دورًا رئيسيًا على عدة مستويات: 

  • كان يمكن اللجوء إلى المحكمة الدستورية للبت فيالتنازعالمحتمل في الاختصاصات بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وذلك بناءً على طلب أحد الطرفينأولاً، كان بإمكان المحكمة أن توضح ما إذا كان النزاع الحالي بين رأسي السلطة التنفيذية هو فعلا تنازع في الاختصاص، إيجابيًا كان أم سلبيًا. كذلك، كان للمحكمة ان تنظر في مدى دستورية رفض رئيس الدولة إتمام إجراءات التعيين الرسمي للوزراء الجدد. أيضا، كان بإمكانها أن توضح، إذا لزم الأمر، العيوب الدستورية التي قد تشوب إجراءات التعديل الوزاري الذي قام به رئيس الحكومة. أخيرًا، كان بوسع المحكمة الدستورية أن تبدد كل الشكوك المرتبطة بدستورية احكام الفصل 144 من النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب الذي يشترط نيل ثقة المجلس في صورة التعديل الوزاري. 

يعتبر بعض الخبراء انه، بموجب الفصل 72 من الدستور، يتعين على رئيس الدولة ضمان علوية الدستور وأنه حتى في حالة عدم وجود محكمة دستورية، فإنه يظل السلطة الوحيدة المخولة لتأويل النص الدستوري. كما يعتبر فقهاء وفاعلون سياسيون آخرون ان رفض رئيس الدولة استدعاء الوزراء الجدد لأداء اليمين وامتناعه عن توقيع أوامر تعيينهم يمثل انتهاكًا للدستور، وهو فعل يولد المسؤولية السياسية لرئيس الجمهورية ويبرر إعفاءه. المحكمة الدستورية فقط هي الجهة المخولة لتكييف الأفعال التي يرتكبها رئيس الجمهورية والحكم بإعفائه. وفي غياب المحكمة، استحال على مجلس نواب الشعب طلب اعفاء رئيس الجمهورية عبر لائحة يتم التصويت عليها بالأغلبية المعززة.   

بناءً على مطالب تقدم بها رئيس الحكومة، صرحت كل من المحكمة الإدارية والهيئة المؤقتة لمراقبة دستورية مشاريع القوانين بعدم اختصاصهما في اصدار اراء استشارية بشأن الاشكالات الدستورية المرتبطة بالأزمة الحالية، كما ذكرت الهيئتين بواجب استكمال إرساء المحكمة الدستورية التي لا يزال يثقل كاهل السلط العمومية. 

ويجدر التذكير بان الخلافات بين رأسي السلطة التنفيذية قد برزت سابقا زمن حكومتي الصيد والشاهد. ولوحظ في تقريرنا المعنون “النظام السياسي التونسي في إطار دستور 2014” الصادر في 2018، أن سير النظام منذ سنة 2015 يبرز إمكانية ظهور تنازع اختصاص بين الرئيسين. طبعا، لن تمثل المحكمة الدستورية حلا لكافة النزاعات السياسية، ولكنها تظل ضرورية لتسوية النزاعات التي يستطبنها النص الدستوري 

بتاريخ 24 مارس 2021، صادق مجلس نواب الشعب على تعديلات القانون الأساسي عدد 2015-50 المتعلق بالمحكمة الدستورية. تجعل هذه التعديلات طريقة تعيين أعضاء المحكمة الدستورية أكثر مرونة، ويبرز ذلك من خلال التخفيض من الأغلبية المطلوبة صلب البرلمان والمجلس الأعلى للقضاء لتعيين الأعضاء الثمانية الخاصين بهما من الثلثين الى الثلاث أخماس، ومن خلال حذف الترشيحات المقترحة من الكتل البرلمانية وإلغاء الترتيب الزمني لتعيينات أعضاء المحكمة من قبل البرلمان، والمجلس الأعلى للقضاء ورئاسة الجمهورية. وقد اعتبر العديد من المعلقين هذه الخطوة إيجابية، اذ يمكن لهذه التعديلات أن تسرع في إرساء المحكمة.